الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده ، أو ما يماثله في المسافة. وقال بعضهم: يكفي في هذا الشرط ، أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه ، وبعضهم يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة ، ثم يحرم للحج من مسافة القصر.
والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة ، والإحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع ، إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة ، فمنهم من يقول: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج ، إلى المحل الذي جاء منه ، ثم ينشئ سفراً للحج ويحرم من الميقات. وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده ، وبعضهم يكفي عنده سفر مسافة القصر ، وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع لإحرام الحج إلى ميقاته ، وقد قدمنا أقوالهم مفصلة ، ودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام} [البقرة: 196] قالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام ، وبين غيرهم ، إلا أن غيرهم ترفهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج ، بعد السفر للعمرة ، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب ، فسقط الدم بزواله ، وعضدوا ذلك بآثار رووها ، عن عمر وابنه رضي الله عنهما ، وقد قدمنا قولي العلماء في الشيء الذي ترجع إليه الإشارة في قوله: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام} وناقشنا أدلتهما ، وبينا أنه على القول الذي يراه البخاري رحمه الله ، ومن وافقه: أن الإشارة راجعة إلى نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلاً ، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة التي ذكرنا ، وعلى القول الآخر أن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو لزوم ما استيسر من الهدي ، والصوم عند العجز عنه لا نفس التمتع فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى.