التنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف ، لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه ، وقد قدمنا في حديث ابن عباس عند البخاري ما لفظه: فأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها ، إلا الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه مكة ، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يَقْدَمُ عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة ، فجلسوا مما يلي الحِجْر ، وأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهُم ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ، هؤلاء أَجْلَدُ من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاءُ عليهم. فحديث ابن عباس هذا الذي أخرجه الشيخان: فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين ، وقد بين ابن عباس علة ذلك وهي قوله: فجلسوا مما يلي الحجر ، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء ، وإذاً فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه لأن الكعبة تحول بينهم وبينه ، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا ، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم رمل الأشواط الثلاثة كلها ، من الحجر إلى الحجر.