وقد جوز أبو إسحاق أن يكون {سَرَبًا} مصدرًا دل عليه (اتخذ) ، كأنه قيل: سرب الحوت سربًا. فعلى هذا يكون المفعول الثاني لاتخذ: {فِي الْبَحْرِ} .
{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) } :
قوله عز وجل: {فَلَمَّا جَاوَزَا} المفعول محذوف، أي: جاوزا مجمع البحرين.
وقوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} (أن أذكره) في موضع نصب على البدل من الهاء في {وَمَا أَنْسَانِيهُ} ، وهو بدل الاشتمال، لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، والضمير للحوت.
وقوله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} (عجبًا) منصوب على أحد ثلاثة أوجه:
إما مفعول ثان لاتخذ، كقوله: {سَرَبًا} أي: واتخذ الحوت سبيله في البحر سبيلًا عجبًا.
أو نعت لمصدر محذوف، أي: اتخاذًا عجبًا. وهذا من كلام فتى موسى - عليه السلام -.
أو مصدر، بأن قال عجبًا في آخر كلامه، أي: عجبت عجبًا، تعجبًا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها، ويكون من تمام كلام يوشع - عليه السلام - أيضًا.
وقوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.
وقيل: إن {عَجَبًا} من قول موسى - عليه السلام -، أي: عجبت عجبًا.
وقيل: فاعل الفعل الذي هو (اتخذ) : موسى - عليه السلام -، بمعنى: واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا، [أي: عجب عجبًا] من سلوك الحوت سبيله في البحر من غير أن يلتئِمَ الماء بعد سروبه، وذلك أن أثر الحوت بقي بعد انسيابه فيه، وذلك عجب. وقيل: جمد الماء تحته. وقيل: صار الماء صحراء. وقيل: بقي أثره كالكوة، وهذا كله مما يتعجب منه.
{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) } :