3 -في سورة الكهف، يحكي القرآن عن الفتية الذين آمنوا بربهم؛ أنهم لجؤوا إلى الكهف فرارًا بدينهم وخوفًا على إيمانهم أن يفتنهم قومهم، ولَمَّا بعثهم الله تعالى مرة ثانية بعد سنين طويلة، وبعثوا أحدهم إلى المدينة لينظر أيها أزكى طعامًا فقالوا له كما حكى الله تعالى عنهم، فقال:"وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا" [الكهف: 19، 20] .
ففي هذه المرحلة بدأ صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الإسلام الذي هو الاستسلام والإذعان والخضوع لله الواحد القهار، الذي له الخَلْق والأمر والاختيار، الإسلام الذي أمر الله تعالى به إبراهيم عليه السلام:"إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" [البقرة: 131] ، والذي أوصى به يعقوب عليه السلام أبناءه عند موته،"أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" [البقرة: 133] .
فالإسلام هو توحيد الله عز وجل، وهو ما بدأ به صلى الله عليه وسلم.
أما بمن بدأ؟
فقد بدأ بأقرب الأقربين والمقربين إليه، وهذا من باب التدرج: البدء بالأهم وبالأقرب.
المرحلة الثالثة: الجهر بالدعوة:
بدأت هذه المرحلة بأمر الله تعالى له صلى الله عليه وسلم:"وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" [الشعراء: 214] .
يقول الرازي:
(وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعَّده إن دعا مع الله إلهًا آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب؛ وذلك لأنه إذا تشدَّد على نفسه أولاً، ثم بالأقرب فالأقرب ثانيًا، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة، وكان قوله أنفع، وكلامه أنجح) [23] ؛ حيث كان الأمر قبل هذه الآية:"فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ" [الشعراء: 213] .