بماذا بدأ دعوته؟
لا شك أن دعوة النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم كانت كدعوة سائر الأنبياء السابقين، وهي الدعوة إلى توحيد الله عز وجل؛ قال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء: 25] .
وظل يدعو - عليه الصلاة والسلام - أقربَ الناس إليه إلى الإسلام ثلاث سنوات سرًّا، إلى أن أمره الله تعالى بالجهر بالدعوة.
يقول ابن القيم رحمه الله:
(وأقام صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيًا، ثم نزل عليه:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" [الحجر: 94] ، فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة، واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن لهم بالهجرتين) [22] .
لقد بدأ صلى الله عليه وسلم دعوته بعد نزول الوحي عليه بين المقرَّبين إليه؛ كزوجته وابن عمه وصديقه، وكان ذلك سرًّا، والسرية هنا أمر مرحلي لا بد منه؛ لأنه مع القلة الاستضعاف، ومع الاستضعاف لا بد من الكتمان والتلطُّف والحذر، فقد يكتم المرء إيمانه ويخفي إسلامه خوفًا من بطش المتربِّصين به، وقد حكى لنا القرآن أمثلة كثيرة؛ أذكر منها:
1 -مؤمن آل فرعون؛ قال تعالى:"وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ..." [غافر: 28] .
2 -وهذا موسى عليه السلام حين تآمر عليه الملأ، خرج من المدينة خائفًا يترقب؛ قال تعالى:"فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [القصص: 21] .