{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) } :
قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} أي: واذكر يا محمد إذ قال موسى لعبده. وقيل: هو يوشع بن نون، وكان يصحبه ويسعى في حاجته، فلذلك قيل: فتاه. وقيل: كان يأخذ منه العلم.
وقوله: {لَا أَبْرَحُ} فيه وجهان، أحدهما: هي الناقصة بمعنى: لا أزال، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: محذوف، وإنما حذف لأن الحال والكلام معًا يدلان عليه،
أما الحال: فلأنّها كانت حال سفر، وأما الكلام: فلأن قوله: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} غاية مضروبة تستدعي ما هو غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح ماشيًا، والمعنى: لا أزال أسير، أي: أدوم على السير ولا أفتر، وهو اختيار أبي إسحاق. وهو أن يكون بمعنى لا أزال، قال: ولو كان معناه لا أزول لكان محالًا، لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضًا، انتهى كلامه.
والثاني: الخبر {حَتَّى أَبْلُغَ} ، على أن المعنى والتقدير: لا يبرح سيري حتى أبلغ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير التكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: لا يبرح سيري واقفًا حتى كذا.
والوجه الآخر: أن تكون التامة، والمفعول محذوف، أي: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم السير والطلب، ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه.
وقوله: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} أي: حتى أصل الموضع الذي يجمع البحرين. قيل: وهما بحر فارس والروم، وقيل: بحر المشرق والمغرب، وهما اللذان يحيطان بجميع الأرض.
والجمهور على فتح الميم الثانية وهو الوجه، لأن ما كان على فَعَل يَفْعَلُ فالمصدر منه والمكان والزمان كلهن مفتوح نحو: ذهبت مَذْهَبًا، أي: ذهابًا، ومَذْهَبًا أي: مكانًا يُذهب فيه، وهذا مَذْهَبُك، أي: زمان ذَهابك. وأما المَفْعِل بالكسر من يَفْعَلُ فهو شاذ، وهو في الشذوذ مِن يَفْعَل،
كالمشرق والمغرب والمطلع والمنسك من يفعل.