والجواب: أن معنى الآية الأولى: وما منع الناس إلا إرادة أن تأتيهم سنة الأولين من الخسف وغيره، أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة، والدليل على هذا الإضمار أن المانع لا بد أن يكون موجودًا حالة منعه، وسنة الأولين معدومة. وكذلك عذاب الآخرة، فلا بد من تقدير أمر موجود يمنع. فأخبر عز وجل، أنه إرادة أن يصيبهم أحد الأمرين. ولا شك أن إرادة الله عز وجل مانعة من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي، لأن الله عز وجل هو المانع في الحقيقية. ومعنى الآية الثانية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعث بشر رسولا لأن قولهم ليس مانعًا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك، وهو يدل على استغراب بالالتزام، وهو الذي يناسب المانعية، واستغرابهم ليس مانعًا حقيقيًا بل عاديًا لجواز خلق الإيمان معه، بخلاف إرادة الله عز وجل فهذا حصر في المانع العادي، ولا تنافي بين قولنا ما منعهم حقيقة إلا كذا، وما منعهم عادة إلا كذا، فزالت المنافاة.
قوله عز وجل: {تغرب في عين حمئة} (18: 86) .
جمهور المفسرين على أنها مكان معين، وليس لغروب الشمس مكان معين، وإلا لما اختلف الليل والنهار وإذا كان المكان غير معين فكيف يخبر الله عز وجل عن بلوغ ذي القرنين إياه.
والجواب: أنه مكان معين بالنسبة إلى رأي العين كما تقول: غربت خلف الجبل. وحاصله أنه معين بالنسبة، قال امرؤ القيس:
تلاعب غزلان الوحوش وعولها... دوين السماء في رؤوس المجادل
ويروى المعاقل. هما الجبال.
فائدة: وردت"كلمات الله" [على] محامل، منها قوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} (18: 109) .
المراد بالكلمات هاهنا: المعلومات: وعبر عنها بالكلمات لأن كل واحد منها إذا كتب كان كلمة. فيكون من باب وصف الشيء بما يؤول إليه. ومنها قوله تعالى: {لا مبدل لكلماته} . أي: لعداته. فهي هاهنا حقيقة.