والوجه الثالث: في الجواب قال الأخفش: المستور ههنا بمعنى الساتر ، فإن الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال: إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو شائم ويامن ، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم ، هذا قول الأخفش: وتابعه عليه قوم ، إلا أن كثيراً منهم طعن في هذا القول ، والحق هو الجواب الأول.
القول الثاني: أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده ، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم.
ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْراً} وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة.
والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله: {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه.
وجعل في آذانهم وقراً.
ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين ، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه.
قالت المعتزلة: ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى.
الأول: قال الجبائي: كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه ، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم ، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجاباً لا يمكنهم الوصول إليه معه ، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته ، ويجوز أن يكون ذلك مرضاً شاغلاً يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له ، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن.