أي: لو كان مع الله آلهة أخرى لَطلبتْ هذه الآلهةُ طريقاً إلى ذي العرش.
وقد عالج الحق تبارك وتعالى هذه القضية في قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18]
وهذه قضية: إما أنْ تكونَ صادقة ، وإما أن تكون غير ذلك. فإنْ كانت صادقة فقد انتهتْ المسألة ، وإنْ كانت غير صادقة ، وهناك إله ثانٍ ، فأين هو؟ لماذا لم نسمع به؟ فإنْ كان موجوداً ، ولا يدري - أو كان يدري بهذه القضية - ولكنه تقاعس عن المواجهة ولم يعارض ، ففي كل الأحوال لا يستحق أن يكون إلهاً.
إذن: ما دام أن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية ، ولم يَقُمْ له معارض فقد سَلِمتْ له هذه الدعوى.
وكلمة {ذِي الْعَرْشِ} لا تُقَال إلا لمَنْ استتبَّ له الأمر بعد عِرَاك وقتال ، فيُصنع له كرسي أو سرير يجلس عليه.
ابتغاء الطريق إلى ذي العرش ، إما ليواجهوه ويوقفوه عند حده ويبطلوا دعوته ، فإن غلبوا فقد انتهت المسألة ، وإن غُلبوا فعلى الأقل يذهب كل إله بما خلق كما قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَاهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91]
أو: يبتغون إليه سبيلاً ، ليكونوا من خَلْقه ومن عبيده ؛ لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ..} [النساء: 172]
ويقول: {أُولَائِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57]
فهؤلاء الذين أشركتموهم مع الله فقُلْتم: المسيح ابن الله ، وعزيز ابن الله ، والملائكة بنات الله ، كُلُّ هؤلاء فقراء إلى الله يبتغون إليه الوسيلة ، حتى أقربهم إلى الله وهم الملائكة يبتغون إلى الله الوسيلة فغيرهم - إذن - أَوْلَى.
وينزِّه الحق سبحانه نفسه ، فيقول: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} .