ومن قبل أن أصورك في الرحم قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك
طهرتك، ومن قبل أن تبلغ أشدك نبأتك، ولأمر عظيم اجتبيتك"."
وبعد كلام قال له:"وأنا باعثك إلى خلق من خلقي؛ لتبلغهم رسالاتي،"
فتستحق بذلك أجر من أطاعك منهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وإن قصرت
عنها استحققت في ذلك وزر من تركت في عماه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا،
انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل: إن الله ذكركم بصلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن
يستثيبكم يا معشر أبناء الأنبياء، وسلهم كيف وجد آباؤهم غبَّ طاعي؟ وكيف
وجد هؤلاء غبَّ معصيتي؟ هل علموا أن أحدًا أطاعي فشقي بطاعي وأن أحدًا
عصاني فسعد بمعصيتي؟! افإن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها،
وإن هؤلاء القوم تركوا ما أكرمت عليه آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها.
أمَّا أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي حولاً، فيعبدونهم من دوني، ويحكمون
فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وعروهم مني، فبطروا نعمتي،
وأمنوا مكري، وبدلوا كتابي، ونسوا عهدي، وضيعوا أمري، حتى دان لهم العباد
بالطاعة التي لا تنبغي لجبار غيري، وهم يحرفون الكلم بذلك كتابي
ويفترون من أجله على رسلي جراءة وغرة وفرية عليَّ وعلى رسلي، فتعالى
جلالي وعلو مكاني وعظمة سلطاني، وهل ينبغي أن يكون لي شريك في أمري؟!"."
إلى قوله:"وأمَّا قراؤهم وفقهاؤهم فينقادون للملوك يتابعونهم على البدع التي"
يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي،
فهم جهلة فيما يعلمون، أميون فيما يتلون، لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي،
وأمَّا أولاد الأنبياء فمقهورون مغترون يخوضون مع الخائضين، يتمنون عليَّ
مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أحق بها، ولا
أولى بذلك منهم بغير صدق ولا نكير ولا تغيير"."
إلى قوله:"وإني تأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يرجعون فأطلت وصفحت"
لعلهم يستحيون، وأكثرت ومددت في العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت كل ذلك،
أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على عدوهم،