يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {بَعَثَنَا عَلَيْكُمْ} وَجَّهْنَا إِلَيْكُمْ، وَأَرْسَلَنَا عَلَيْكُمْ {عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}
يَقُولُ: ذَوِي بَطْشٍ فِي الْحُرُوبِ شَدِيدٍ.
وَقَوْلُهُ: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا}
يَقُولُ: فَتَرَدَّدُوا بَيْنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ، وَذَهَبُوا وَجَاءُوا. يُقَالُ فِيهِ: جاسَ الْقَوْمُ بَيْنَ الدِّيَارِ وَجَاسُوا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَجُسْتُ أَنَا أَجُوسُ جَوْسَا وَجَوَسَانًا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى جَاسُوا: قُتِلُوا، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ حَسَّانَ:
[البحر الطويل]
وَمِنَّا الَّذِي لَاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ... فَجَاسَ بِهِ الْأَعْدَاءُ عُرْضَ الْعَسَاكِرِ
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ فَقَتَلُوهُمْ ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ، فَيَصِحُّ التَّأْوِيلَانِ جَمِيعًا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} وَكَانَ جَوْسُ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَبْعَثُ عَلَيْهِمْ خِلَالَ دِيَارِهِمْ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَفْعُولًا ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ الْمِيعَادَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، وَمِنَ الَّذِينَ بُعِثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِهمْ بِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى جَالُوتَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَالُوتَ فَجَاسَ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ وَالذُّلَّ، فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ، فَقَاتَلُوا جَالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقُتِلَ جَالُوتُ بِيَدِي دَاوُدَ، وَرَجَعَ اللَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكُهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بَعَثَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى سَنْحَارِيبَ.
[عن] سَعِيد بْن جُبَيْرٍ، قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى سَنْحَارِيبَ مِنْ أَهْلِ أَثُورَ وَنَيْنَوَى، فَسَأَلْتُ سَعِيدًا عَنْهَا، فَزَعَمَ أَنَّهَا الْمَوْصِلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قِتَالٌ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ فَارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أَخْبَارَهُمْ، وَيَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهُمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَوَعَى أَحَادِيثَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَارِسُ وَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَنُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا وَعْدُ الْأُولَى.