وضرب لهم أمثالاً في ذلك ثم قال: وأنتم قد صبرتم على محاربة هؤلاء القوم واستظهرتم عليهم إلى هذه الغاية حتى هلك رؤساؤهم وجبابرتهم ، وخربت حصونهم ونفوا بالجوع والسيف ، ولم يبق منهم غير شرذمة يسيرة كالموتى ، فأن انصرفتم كنتم قد ضيعتم تعبكم وأنتم على أنفسكم وأهنتموها عند كل من يسمع خبركم ، ولو كنتم انصرفتم عنهم قبل هذا كان أحسن بكم ، وأما الآن فلا عذر لكم في عجزكم عن محاربة قوم قد بلغ بهم الضر والجوع هذا المبلغ ، فإن رجعتم عنهم طمع فيكم كل أحد ، واجترأ عليكم كل من يخافكم ، ولم لا تتأسون باليهود في الصبر والشجاعة مع فناء رجالهم ، واجتماع المكاره عليهم ، وانقطاع رجائهم ، فصبرهم إما طمعاً في الظفر ، أو أنفة من الغلبة ، أو رغبة في بقاء الذكر ، فأنتم أحق بذلك منهم لتدفعوا العار عن أنفسكم على أنكم قد صبرتم في أيام تيروس قيصر على محاربة هؤلاء القوم ، وعملتم على أن لا ترجعوا عنهم إلا بعد الظفر ، فلما ملك أسفسيانوس الذي هو أشجع من تيروس وأعظم بأساً ، أردتم أن ترجعوا عنهم قبل أن تظفروا ، فأيّ عذر لكم.
فلما سمعوا هذا ثبتوا.