فسمّاهم الحق سبحانه عباداً ؛ لأنه لم يَعُدْ لهم اختيار يتمردون فيه ، فاستوَوْا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عز وجل.
إذن: فقول الحق سبحانه: فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ.. { [الإسراء: 5]
المقصود بها الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظِلِّ الإسلام ، حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جَاسُوا خلال ديارهم ، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم مَنْ قتلوه ، وسَبَوْا مَنْ سَبَوْه.
وقوله: أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.. { [الإسراء: 5]
أي: قوة ومنَعة ، وهذه كانت حال المؤمنين في المدينة ، بعد أن أصبحت لهم دولة وشوكة يواجهون بها أهل الباطل ، وليس حال ضعفهم في مكة.
وقوله سبحانه: فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ.. { [الإسراء: 5]
جاسُوا من جاسَ أي: بحث واستقصى المكان ، وطلب مَنْ فيه ، وهذا المعنى هو الذي يُسمّيه رجال الأمن"تمشيط المكان".
وهو اصطلاح يعني دِقّة البحث عن المجرمين في هذا المكان ، وفيه تشبيه لتمشيط الشعر ، حيث يتخلل المشط جميع الشعر ، وفي هذا ما يدل على دِقّة البحث ، فقد يتخلل المشط تخلُّلاً سطحياً ، وقد يتخلل بعمق حتى يصل إلى البشرة فيخرج ما لصق بها.
إذن: جاسُوا أي: تتبعوهم تتبعاً بحيث لا يخفي عليهم أحد منهم ، وهذا ما حدث مع يهود المدينة: بني قينقاع ، وبني قريظة ، وبني النضير ، ويهود خيبر.
ونلاحظ هنا أن القرآن آثر التعبير بقوله: بَعَثْنَا.. { [الإسراء: 5]
والبعث يدل على الخير والرحمة ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حال اعتداء ، بل في حالة دفاع عن الإسلام أمام مَنْ خانوا العهد ونقضوا الميثاق.
وكلمة: عَلَيْكُمْ تفيد العلو والسيطرة.
وقوله: وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً { [الإسراء: 5]