نجد من هؤلاء من يكاد يحرم على الناس كل شيء، وفي مقابلهم من يكاد يبيح لهم كل شيء.
نجد من هؤلاء من يوجب التقليد لمذهب بعينه ويغلق باب الاجتهاد، وفي الجهة الأخرى من يطعن في المذاهب كلها، ضاربا بجهودها واجتهاداتها عرض الحائط.
نجد من هؤلاء الحرفيين المتمسكين بظواهر النصوص، دون نظر إلى المقاصد، أو رعاية للقواعد، ونجد في مواجهتهم المؤولين الذين حولوا النصوص في أيديهم إلى عجينة قابلة لما شاءوا من معانٍ ومضامين.
والصنف المطلوب المأمون: هو الصنف الوسط المعتدل بين الغلاة والمتسيبين، الذي يجمع بين عقل الفقيه وقلب التقي، ويلائم بين الواجب المطلوب، والواقع المعاش، ويميز بين ما يرتجي الخواص وما يعانيه العوام، ويعرف أن لحالة الاختيار والسعة حكمها، وللضرورات أحكامها، ولا يدفعه التيسير إلى إذابة الحواجز بين الحلال والحرام، كما لا يدفعه الاحتياط إلى التشديد والتعسير على عباد الله، ورحم الله إمام الحديث والفقه والورع، سفيان الثوري حين قال: إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!!
3 -يسروا ولا تعسروا:
وأنصح هؤلاء الشباب ثالثاً: أن يتخلوا عن التشدد والغلو، ويلزموا جانب الاعتدال والتيسير، وخصوصاً مع عموم الناس الذين لا يطيقون ما يطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى، ولا بأس بأن يأخذ المسلم في مسألة أو جملة مسائل بالأحوط والأسلم، ولكن إذا ترك دائما الأيسر، واتبع دائما الأحوط، أصبح الدين في النهاية"مجموعة أحوطيات"لا تمثل إلا الشدة والعسر، والله يريد بعباده السعة واليسر.
والناظر في نصوص القرآن والسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، يجدها تدعو إلى اليسر ورفع الحرج، والبعد عن التنطع والتعسير على عباد الله.
وحسبنا من القرآن قوله تعالى بعد آيات الصيام: (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ) (البقرة:185) .
وفي آية الطهارة: (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) ) (المائدة:6) .
وعقب آيات النكاح: (( يريد الله أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) ) (النساء:28) .
وفي آية القصاص وإجازة العفو والصلح فيه: (( ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة ) ) (البقرة:178) .