وأساس العلم الشرعي هو: الكتاب والسنة، ولكن لا غنى لمن يريد فهمهما عن تفسير المفسرين، وشرح الشراح، وفقه الفقهاء، ممن خدموا الكتاب والسنة، وأصّلوا الأصول، وفرعوا الفروع، وخلفوا لنا تراثا عريضاً، لا يعرض عنه إلا جاهل أو مغرور.
فمن ادعى علم الكتاب والسنة، وطعن في علماء الأمة فليس بمأمون على تعاليم الدين، ومن أخذ عن العلماء وكتب المذاهب، مهملاً دلائل القرآن والحديث، فقد أهمل أصل الدين ومصدر التشريع.
وقد يوجد من علماء الدين من يتخصص في فرع من فروع الثقافة الإسلامية، لا يتصل اتصالاً مباشراً بالكتاب والسنة (كالعلم بالتاريخ أو الفلسفة أو التصوف مثلا) فهؤلاء يستفاد منهم في مجالهم، ولكنهم ليسوا أهلا للفتوى، ولا يصلحون لتلقي العلم الشرعي عنهم.
وقد يكون بين هؤلاء من يجيد فن القول والدعوة والخطابة، والقدرة على التأثير في الجماهير وهز أوتار القلوب، ولا يعني هذا أنه من أهل التحقيق العلمي، فكثيرا ما يجمع بين الغث والسمين، وما يخلط بين الأصيل والدخيل، وما يمزج بين الحقيقة والخرافة، وكثيرا ما تشتبه عليه المسائل، فيفتي بغير علم فيضل ويضل، وكثيراً ما تختلط عليه المراتب، فيضخم الصغير، ويصغر الكبير، ويعظم الهين، ويهون العظيم، وكثيرا ما يعتقد السامعون المبهورون بحسن الأسلوب، وسحر البيان: أن مثله جدير أن يؤخذ عنه، ويتلقى منه.
ولا يخفى أن الوعظ والخطابة فن، وأن الفقه والتحقيق فن آخر، وليس كل من يحسن أحدهما يحسن الآخر.
ولا يقبل العلم من عالم، ما لم يجمع إليه العمل به، وهو ما عبرنا عنه بالورع، وأساسه خشية الله تعالى، التي هي ثمرة العلم الحقيقي (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) )
(فاطر: 28) .
وهذا الورع أو تلك الخشية هو ما يمنع العالم أن يقول على الله بغير علم، أو يوظف علمه في خدمة نظام أو سلطان، فيبيع دينه بدنيا غيره.
والصفة الثالثة لمن يؤخذ عنه العلم في عصرنا هي: الاعتدال الذي هو خاصة دين الإسلام، وقد ابتلينا في عصرنا بصنفين متقابلين ممن ينتسبون إلى العلم: المفرطين والمفرطين، أو الغلاة والجفاة، كما قال الحسن البصري رحمه الله: يضيع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه.