ولا أقصد بهذه الوصايا إلا أن أضع علامات على الطريق، تدلنا على الهدف، وتجنبنا العثار، وتحول بيننا وبين الانقطاع عن السير، أو الدوران حول أنفسنا، أو الاتجاه إلى غير الغاية.
1 -احترموا التخصص:
أنصح هؤلاء الشباب أولا: أن يحترموا التخصص، فلكل علم أهله، ولكل فن رجاله، فكما لا يجوز للمهندس أن يفتي في أمور الطب، ولا للطبيب أن يفتي في شؤون القانون، بل كما لا يجوز أن لطبيب متخصص في فرع أن يقتحم حمى فرع آخر، كذلك لا يجوز أن يكون علم الشريعة كلأ مباحاً لكل من هب ودرج من الناس، بدعوى أن الإسلام ليس حكرا على فئة من الناس، وأنه لا يعرف طبقة"رجال الدين"التي عرفت في أديان أخرى.
فالواقع أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين، ولكنه يعرف علماء الدين المتخصصين، الذين أشارت إليهم الآية الكريمة (فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون) (التوبة:122) .
وقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العالمين من أهل الذكر والخبرة بقوله تعالى: (( فاسألوا أهل الذِّكر إنْ كنتم لا تعلمون ) ) (الأنبياء:7)
وقال تعالى: (( ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ) (النساء:83) وقال سبحانه: (( فاسأل به خبيراً ) ) (الفرقان: 59) (( ولا يُنبِّئك مثل خبير ) ) (فاطر:14) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة، الذي أفتاه بعض الناس بوجوب الغسل رغم جراحته، فاغتسل فمات. قال:"قتلوه قتلهم الله: هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال".
وإن مما راعني أن أجد من يجترئ على الفتوى في أخطر القضايا، وإصدار الأحكام في أهم الأمور، دون أن تكون عنده مؤهلات الفتوى، وقد يخالف جمهور العلماء قديما وحديثا، وربما تطاول فخطأ الآخرين وجهّلهم، بزعم أنه ليس مقلدا، وأن من حقه أن يجتهد، وأن باب الاجتهاد مفتوح للجميع، وهذا صحيح، ولكن للاجتهاد شروطا قد لا يملك أيّ واحد منها.