فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 259299 من 466147

لقد عاب أسلافنا من محققي العلماء على بعض أهل العلم في أزمانهم، ممن يتسارعون إلى الفتوى دون تثبت وروية كافية، وكان مما قالوه:"إن أحدهم يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر!"ومن مأثور القول:"أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار".

وكان الخلفاء الراشدون ـ مع ما آتاهم الله من سعة العلم ـ يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ الإجماع في العصر الأول.

وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى، فلا يجيب ويحيل إلى غيره، أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يسأل، فيقول: لا أدري!

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه لو كفاه؟

وقال عطاء بن السائب: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم وإنه ليرعد.

وإذا انتقلنا إلى التابعين نجد سيدهم وأفقههم سعيد بن المسيب، كان لا يكاد يفتي، ولا يقول إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني.

وبعد التابعين نجد أن أئمة المذاهب المتبوعة لا يستنكفون من قول"لا أدري"فيما لا يحسنونه. وكان أشدهم في ذلك مالك رحمه الله، فكان يقول:"من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها".

وقال ابن القاسم:"سمعت مالكا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن".

وسمعه ابن مهدي يقول:"ربما وردت علي المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي".

قال مصعب:"وجهني أبي بمسألة -ومعي صاحبها - إلى مالك يقصها عليه، فقال: ما أحسن فيها جواباً، سلوا أهل العلم".

قال ابن أبي حسان:"سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من"لا حول ولا قوة إلا بالله"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت