فلا بد من درس هذه النظرات المعوقة، وكشف عوامل الغفلة عن الدراسة، أو الانقطاع عنها بعد البدء، لأن ذلك يحدث ضمن شروط معينة دقيقة، تخفى عن النظرات العجلى. .
وكذلك من المفارقات، أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع، دون أن يخطر في بالنا، أن ذلك لن يتم، إلاّ إذا حدث التغيير قبل ذلك بما بالأنفس، ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن كثيراً مما فيها، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريد أن يزول، ونحن نشعر بثقل وطأته علينا، ولكن لا نشعر بمقدار ما يساهم ما في أنفسنا، لدوامه واستمراره.
فهذا ما يريد القرآن أن يعلمه البشر، في تفسير ما يحل بهم، حين يلح في إظهار: أن مرد المشكلة إلى"ما بالنفس"وليس من الظلم الذي يحيق بالإنسان من الخارج، بل، من الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه، وهذا هو لب التاريخ، وسنة الاجتماع، الذي يقرره القرآن، وبإغفاله تظلم الحياة، وتنشأ الفلسفات المتشائمة الخانعة، أو الفلسفات المتسلطة المارقة.
ومن أكبر الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه أن لا يرى العلاقة التسخيرية الموجودة بين الإنسان والكون والمجتمع"الآفاق والأنفس"فيهمل نفسه، ولا يضعها في المكان الذي يسخر الآفاق والأنفس على أساس السنن المودعة فيها، وبناء على هذا يمكن أن نقول:
إن العقل يمكن أن يتخذ أحد موقفين إزاء المشاكل: إما أن يفرض فيها أنها تخضع لقوانين، وبالتالي يمكن أن تخضع المشكلة للسيطرة عليها وتسخيرها، وإما أن يفرض فيها أنها لا تخضع لقوانين، أو لا يمكن كشف قوانينها، وبين هذين الموقفين مواقف متعددة، يتفاوت فيها القرب من أحدهما والبعد عن الآخر.
إن لكل من الفرضيتين نتائج عملية، تظهر في مواقف البشر وسلوكهم، بصور متفاوتة، على حسب الخضوع لأحد الموقفين.
وعجز المسلمين أن يعيشوا وفقاً للعقيدة الإسلامية، مشكلة لا يحتاج إثباتها إلى بذل جهد كبير.