في شباب العالم الإسلامي من عندهم استعداد لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام، ولكن قلّ أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة، لينضج موضوعاً، أو يصل به إلى تجلية حقيقية، مثلاً: كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته، إذ كثير من الأسئلة التي تطرح، ولا جواب شافياً لها، مع أنه لا يمكن التغيير من وضع إلى وضع، إلاّ بعد إجابة موضوعية عن هذه الأمثلة، ولا يمكن ذلك إلاّ بعد الدرس والتحصيل.
والسبب في بطء نمو دراسات من هذا النوع، هو أنه لم تكشف بعد قيمة الدراسة في الوسط الإسلامي، والذي ظل وقتاً طويلاً يرى"السيف أصدق أنباء من الكتب"، ولم يكن اتجاهه إلى أن (الرأي قبل شجاعة الشجعان) .
وظلت هذه الآراء المختلفة في ظلمات بعضها فوق بعض، ولم يروا العلاقة الصحيحة بينها، ولا الترتيب الطبيعي لها.
كما لم تدرس بعد في العالم الإسلامي شروط الإيمان، وليس معنى هذا أنهم لم يحفظوا أركان الإيمان والإسلام، ولكن نعني بشروط الإيمان، الشروط النفسية، أي: ما يجب تغييره مما بالنفس، لأن هذا التغيير هو الذي يتيح ثمرات الإيمان، أي: شروط مطابقة العمل مع العقيدة، وموانع إعطاء العقيدة ثمراتها.
وإلى الآن ينظر إلى بذل المال وبذل النفس على أنهما أعلى المراتب، دون مراعاة ما يجعل بذل المال والنفس مجدياً، إذ ليس الأمر مجرد بذل وكفى، لأن البذل لا يعطي نتائجه إلاّ بشروطه الفنية.
إنّ هذا النظر، يساعد على إمكان أن يبذل الشاب المسلم ماله ونفسه، بينما لا يتيسر له حبس نفسه على بذل الجهد المتواصل للدرس والفهم.
وهناك سبب آخر، وهو أن بذل المال وبذل النفس، يمكن أن يتم في لحظة حماس وتوتر، ولكن طلب العلم لا يتم في لحظة حماس، وإنما يتم في جهد متواصل يحتاج لنوع من الوعي، كوقود، يجعل الاستمرار ممكناً.
نعم: كثير من الشباب، في لحظة من لحظات الحماس، يبدؤون أعمالاً ودراسات في مواضيع مختلفة، ولكن بعد جلسة أو جلستين أو أكثر من ذلك، يفتر الحماس، وينزل الملل، ثم ينقطع ما بدأ من عمل، كما ينطفئ المصباح حتى يفقد وقوده.