وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا كان يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلاّ بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.
وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم، وفي الديات بالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس والعين بالعين، وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً بل وإماماً، وفي نفسه أمور من العدل ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.
وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها. (مجموع الفتاوى: 19/ 216 - 219) .
الفقه في سنة الله في خلقه
ومن الفقه اللازم كذلك: مراعاة سنن الله الكونية والشرعية في التدرج، والصبر على الأشياء حتى تنضج وتبلغ مداها، ذلك أن العجلة التي هي طبيعة الإنسان عامة، والشباب خاصة، والسرعة التي هي من طبيعة هذا العصر، تجعل كثيرين من الشباب المتحمس لدينه، يريد أن يغرس اليوم ليجني الثمرة في الغد، أو يزرع في الصباح ليحصد في المساء، ذاهلين أن سنة الله الكونية تأبى هذا، فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلا بعد مراحل تقصر أو تطول، حسب نوعها وتربتها ومناخها، وظروف نمائها، إلى أن تؤتي أكلها بإذن ربها.
والجنين يتكون: نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاماً يكسوها الله لحماً، ثم ينشئه خلقاً آخر، حتى يخرج إلى الحياة طفلاً (( فَتباركَ الله أحْسنُ الخَالِقين ) ) [المؤمنون:14] .