بالله عليك ، هل تستطيع على قوتك وإمكاناتك أنْ تستردَ من الذبابة ما أخذتْه من طعامك؟ هل تقدر على هذه العملية؟
إذن: حينما يضرب الله لك مَثَلاً يجب أن تحترم ضَرْب الله للمثل ، وأنْ تبحثَ فيما وراء المثل من الحكمة . . وأنه سبحانه جاء بهذا المثَل لهذا المخلوق الحقير في نظرك لِيُوضِّح لك قضية غامضة يُنبِّهك إليها .
ولأهمية ضَرْب المثَل في توضيح الغامض يلجأ إليه الشعراء ليُقرِّبوا المعنى من الأفهام ، فقد يقف الشاعر أمام قضية معقدة لا يدركها إلا العقلاء ، ويريد الشاعر الوصول بها إلى أفهام العامة . . مثل قضية الحاسد الذي يُظهر بحسده مزايا محسوده ومكارمه ، فقد يتهم البريء بتهمة ظلماً ، فتكون سبباً في رِفْعته بين قومه .
أخذ الشاعر العربي هذا المعنى ، وصاغه شعراً ، وضرب له مثلاً توضيحياً ، فقال:
وَإِذَا أَرَادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلةٍ طُويَتْ ... أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَوْلاَ اشْتِعالُ النَّارِ فِيمَا جَاورَتْ ... مَا كانَ يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ
فانظر كيف وصل بالقضية المعنوية إلى قضية عامة يعرفها الرجل العادي ، فقد يكون لديك فضيلة مكتومة مغمورة لا يعرفها أحد ، حتى تتعرض لحاسد يتهمك ويُشوِّه صورتك ، فإذا بالحقيقة تتكشف للجميع ويُظهر ما عندك من مواهب ، وما لديك من فضائل . . وما أشبه ذلك بالعود طيب الرائحة الذي لا نشمُّ رائحته إلا إذا حرقناه .
وقد كان سبب هذا المثَل الشِّعريّ أن أحد أهل الخير كان يتردد من حين لآخر على أحد بُيوت البلدة وبها عجوز مُقْعدة في حاجة إلى مساعدة ، فكان يساعدها بما يستطيع ، وكان بجوارها منزل إحدى الجميلات التي قد تكون مطمعاً . . فاستغل أحد الحُسَّاد هذه الجيرة ، واتهم الرجل الصالح بأنه يذهب إلى هذه الحسناء . . وفعلاً تتبعه الناس ، فإذا به يذهب لبيت العجوز المقعدة . . ومن هنا عرف الناس عنه فضيلةً لم يكن يعرفها أحد .