واختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية الكريمة. فقال جماعة من العلماء الحفدة: أولاد الأولاد. أي وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. وقال بعض اللعلماء: الحفدة الأعوان والخدم مطلقاً. ومنه قول جميل: -
حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال
أي أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم. الواحدة وليدة، ومنه قول الأعشى:
كلفت مجهولها نوقاً يمانية ... إذا الحداة على أكشائها حفدوا
أي أسرعوا في الخدمة. ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت: وإليك نسعى وونحفد. أي نسرع في طاعتك. وسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يسن عند المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف.
وقيل: الحفدة الأختان، وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر:
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير
ولكنها نفس علي أبية ... عيوف لإصهار اللئام قذور
والقذور: التي تتنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي، تباعداً عن التدنس بقذره.
قال مقيده عفا الله عنه: الحفدة: جمع حافد، اسم فاعل من الحفد وهو الإسراع في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء في الآية. فنبن ذلك.
وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد. لأن قوله {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} دليل ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من أزواجهم، وذلك دليل على، هم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله {وحفدةً} معطوف على قوله {أَزْوَاجاً} غير ظاهرة.