وما ورد في التشريع الإسلامي من تنجيم في نزول الوحي ومن تدرج في بناء الأحكام، يعتبر إرشاداً إلهياً في كيفية تحويل أهل الجاهلية، إلى واقع الحقيقة الإسلامية، ليكون مبدأً عاماً في منهجية الصراع مع الواقع الباطل. [5]
وإذا أراد الداعية أن يقيم مجتمعاً إسلامياً يلتزم أفراده بشريعة الله تعالى، فلا يتوهم أن ذلك يتحقق له دفعة واحدة، بل لا بد أولاً من التهيئة النفسية والفكرية للمدعوين، وذلك بتقديم الأهم من الأمور على المهم منها، والتدرج من المألوف الذي اعتادوا إلى الجديد الذي يهدف إلى إيصالهم إليه، ومن كليات الأمور إلى الجزئيات منها، ولا يباشرهم بالإصلاح دفعة واحدة، فإن ذلك يعتبر مصادمة لهم، وتنفيرًا عن قبول أوامر الدين ونواهيه. [6]
تعريف التدرج في الدعوة إلى الله تعالى:
التقدم بالمدعو شيئًا فشيئًا للبلوغ به إلى غاية ما طلب منه وَفْقَ طرق مشروعة مخصوصة. [7]
صور من التدرج التشريعي في القرآن الكريم:
لعل أوضح مثال لهذه الصورة تحريم الخمر، فقد بدأ الأمر بقوله تعالى:"وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا" [النحل: 67] ثم أنزل قوله تعالى:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا"" [البقرة: 219] ثم أنزل قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" [النساء: 43] ثم كانت النهاية مع قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [المائدة: 90] ."