ما يليق به اضطُرّ إلى الاعتراف بكمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وتناهي رأفته ورحمتِه. فمِن الأولى تبعيضيةٌ لما أن اللبن بعضُ ما في بطونه لأنه مخلوقٌ من بعض أجزاءِ الدم المتولّدِ من الأجزاء اللطيفةِ التي في الفرث حسبما فصل ، والثانيةُ ابتدائية كقولك: سقَيت من الحوض لأن بين الفرث والدمِ مبدأَ الإسقاء ، وهي متعلقةٌ بنُسقيكم وتقديمه على المفعول لما مر مراراً من أن تقديم ما حقُّه التأخيرُ يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكّنِه عند ورودِه عليها لا سيما إذا كان المقدمُ متضمناً لوصف منافٍ لوصف المؤخَّر كالذي نحن فيه ، فإن بين وصفَيْ المقدّمِ والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراءى ناراهما ، فإن ذلك مما يزيد الشوقَ والاستشرافَ إلى المؤخر كما في قوله تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً} أو حالٌ من لبناً قُدّم عليه لتنكيره والتنبيه على أنه موضعُ العبرة {خَالِصًا} عن شائبة ما في الدم والفرثِ من الأوصاف ببرزخٍ من القدرة القاهرة الحاجزةِ عن بغي أحدِهما عليه مع كونهما مكتنفين له {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} سهلَ المرور في حلقهم ، قيل: لم يغَصَّ أحدٌ باللبن ، وقرئ سيِّغاً بالتشديد وبالتخفيف مثل هيْن وهيِّن.
{وَمِن ثمرات النخيل والأعناب}