49 -ثم ذكر ما هو كالدليل لما سلف فقال: {وَلِلَّهِ} سبحانه وتعالى وحده لا لغيره، فالقصر فيه قصر قلب وإفراد كما سيأتي في مبحث البلاغة، {يَسْجُدُ} ؛ أي: يخضع وينقاد، قال العلماء: السجود على نوعين سجود طاعة وعبادةٍ كسجود المسلم، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال. {مَا فِي السَّمَاوَاتِ} من العلويات قاطبةً، ودخل فيه الشمس والقمر والنجوم {وَمَا فِي الْأَرْضِ} كائنًا ما كان {مِنْ دَابَّةٍ} بيان لما في الأرض؛ أي: من كل دابة تدب عليها، فإن قوله تعالى:
{وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} يدل على اختصاص الدابة بما في الأرض؛ لأنَّ ما في السماء لا يخلق بطريق التوالد، وليس لهم دبيبٌ، بل لهم أجنحة يطيرون بها، والظاهر أن الطيران لا ينافي الدبيب، وقد قيل إن في السماء خلقًا يدبون ودبيبه لا يستلزم كونه مخلوقًا من الماء المعهود، إذ من الماء كل شيء حيٍّ، فيكون {مِنْ دَابَّةٍ} بيانًا لما في السماء والأرض، و {ما} عام للعقلاء وغيرهم، وفي"الأسئلة المقحمة": أن ما لا يعقل أكثر عددًا ممن يعقل، فغلب جانب ما لا يعقل لأنه أكثر عددًا، {وَالْمَلَائِكَةِ} معطوف على ما في السماوات، عطف جبريل على الملائكة تعظيمًا وإجلالًا، {وَهُمْ} ؛ أي: والحال أيُّ الملائكة مع على شأنهم {لَا يَسْتَكْبِرُونَ} ؛ أي: لا يتعظمون عن عبادته والسجود له، بل يتذللون، فكل شيء بين يدي صانعه ساجدٌ بسجود يلائم حاله، كما أن كل شيء يسبح بحمده تسبيحًا يلائم حاله، فتسبيح بعضهم بلسان القال، وتسبيح بعضهم بلسان الحال، والله يعلم لسان حالهم، كما يعلم لسان قالهم، وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله.
والمعنى: أي ولله يخضع ما في السماوات وما في الأرض مما يدب عليها، وكذلك ملائكته الذين في السماء، وهم لا يستكبرون عن التذلل والخضوع له،