فالاحتجاج بالقدر حال الجاهلية الذين لا علم عندهم بما يفعلون ويتركون: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} وهم إنما يحتجون به في ترك حق ربهم ومخالفة أمره ، لا في ترك ما يرونه حقاً لهم ولا في مخالفة أمرهم . ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك والصوفية والفقراء والعامة والجند والفقهاء وغيرهم ؛ يفرون إليه عند إتباع الظن وما تهوى الأنفس . فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلاً . بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم ، وهذا أصل شريف ، من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس . ولهذا تجد المشايخ والصالحين المتبعين للأمر والنهي ، كثيراً ما يوصون أتباعهم بالعلم بالشرع . فإنه كثيراً ما يعرض لهم إرادات في أشياء ومحبة لها . فيتبعون فيها أهواءهم ظانين أنه دين الله تعالى ، وليس معهم إلى الظن والذوق والوجدان الذي يرجع إلى محبة النفس وإرادتها . فيحتجون تارة بالقدر وتارة بالظن والخرص ، وهم متبعون أهواءهم في الحقيقة . فإذا اتبعوا العلم ، وهو ما جاء به الشارع صلى الله عليه وسلم خرجوا عن الظن وما تهوى الأنفس ، واتبعوا ما جاءهم من ربهم وهو الهدى ، كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123] ، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى عن المشركين في سورة الأنعام والنحل والزخرف كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] ، فتبين أنه لا علم لهم بذلك ، إن هم إلا يخرصون . وقال في سورة الأنعام: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] : إرسال الرسل وإنزال الكتب كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]