ماله أو فرج امرأته أو قتل ولده أو كان مصراً على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال: لو شاء الله لم أفعل هذا؛ لم يقبلوا منه هذه الحجة، ولا هو يقبلها من غيره. وإنما يحتج بها المحتج دفعاً للوم بلا وجه. فقال الله تعالى: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} بأن هذا الشرك والتحريم من أمر الله، وأنه مصلحة ينبغي فعله: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} فإنه لا علم عندكم بذلك، إن تظنون ذلك إلا ظناً: {وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} وتفترون. فعمدتكم في نفس الأمر ظنكم وخرصكم، ليس عمدتكم في نفس الأمر كون الله شاء ذلك وقدره. فإن مجرد المشيئة والقدر لا تكون عمدة لأحد في الفعل، ولا حجة لأحد على أحد ولا عذراً لأحد؛ إذ الناس كلهم مشتركون في القدر. فلو كان هذا حجة وعمدة لم يحصل فرق بين العادل والظالم والصادق والكاذب والعالم والجاهل والبر والفاجر. ولم يكن فرق بين ما يصلح الناس من الأعمال [و] ما يفسدهم وما ينفعهم وما يضرهم. وهؤلاء المشركون المحتجون بالقدر على ترك ما أرسل الله به رسله من توحيده، والإيمان به؛ لو احتج به بعضهم على بعض في سقوط حقوقه ومخالفة أمره، لم يقبله منه. بل كان هؤلاء المشركون يذم بعضهم بعضاً ويعادي بعضهم بعضاً ويقاتل بعضهم بعضاً على فعل من يريد تركاً لحقهم، أو ظلماً. فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى حق الله على عباده وطاعة أمره، واحتجوا بالقدر؛ فصاروا يحتجون بالقدر على ترك حقِّ ربهم ومخالفة أمره، بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم وخالف أمرهم. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق الله على عباده؟! حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ حقهم عليه أن لا يعذبهم) .