قال ابن عرفة: وعلى هذا التأويل تكون الآية حجة لمن يقول إن العرض لَا وجود له والمشهور عند المتكلمين أنه أمر وجودي حكى القولين المقترح، ووجه الدليل أن الأمة دلت على أن كل شيء مخلوق لله تعالى وأن ظله مستفيء ساجد الله تعالى والتفيؤ من صفات الأجرام والذوات، والعرض ليس بذات فليس بمخلوق لله وهذا كفر، وإذا جعلنا تتفيؤ صفة لشيء يكون المعنى أن كل شيء موصوف بالتفيؤ فهو مخلوق لله فأنكر عليهم عدم الاعتبار به حالة سجوده وقوله تتفيؤ أي ترجع عن اليمين يريد يمين الناظر إليه لأن الناظر إلى الظل أول النهار ينظر إلى جهة القبلة حيث هو محل طلوع الشمس فيكون الظل حينئذ عن يمينه فلذلك بلا باليمين، وقوله: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ) أي يرجع عن جهة اليمين إلى جهة الشمال، وقوله: (وَالشَّمَائِلِ) أي يرجع عن جهة الشمال إلى جهة اليمين لأن (عَنِ) تقتضي المجاوزة، فالمراد مجاوزته جهة اليمين إلى جهة الشمال والعكس.
فإن قلت: لم أفرد اليمين وجمع الشمال؟ فالجواب بوجهين: الأول: أن الظل حالة كونه عن يمين الناظر، وذلك أول النهار يتأتى النقص، فكانت له جهة واحدة نقص عنها، وفي آخر النهار يأخذ في الزيادة
والشمال والجهة التي قال مثله إليها لم تكن له قبل ذلك وكلما زاد بعد أي جهة يسار الناظر فكانت تلك الزيادة تكثرها واختلافها تمايل بل خلاف أول النهار وأنه لم يرد؛ بل نقص عن حده الذي كان، فصار كأنه بعض اليمين فضلا عن أن يكون لبيان الوجه الثاني: أن اليمين مأخوذ من اليمن وذلك راجع إلى طريق الحق والشمال راجع إلى طريق الباطل طريق قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) وطريق الحق واحد وطرق الباطل متعددة والآية دالة على كمال التوحيد بالله عز وجل لأن مذهبنا أن الأعراض لَا تبقى زمنين، فما من جوهر إلا وهو مصغر في كل زمن في أعراض يستمد بها، ولا بد لذلك من فاعل، ولا يصح تعدد ذلك الفاعل لما تقرر في دلالة التمانع ...