فدلّ مجيء (من) على أنه لم يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالاً للأسماء التي قبلها، ودلَّ على أنه مُترجِم على معنى (مَن) و (مَا) ، ومثل هذا قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء} [سبأ: 39] ؛ لأن الشيء لا يكون حالاً، ولكنه مترجم، فأمَّا قولهم: لله دَرُّه رجلاً، فالرجلُ مترجِم لما قبله وتفسير وليس بحال، إنّما الحال الذي ينتقل؛ مثل القيام والقعود، وجاز سقوط (مِنْ) في هذا الموضع؛ لأن الذي قبله مؤقت، فجاز أن يُذكرَ بطرح (مِن) كالحال، وقال الأخفش في قوله: {مِنْ دَابَّةٍ} يريد: (من الدواب، واجتزأ بالواحد؛ كما تقول: ما أتاني من رجل مثله، وقال ابن عباس في قوله: {مِنْ دَابَّةٍ} ) :
يريد كلَّ ما دَبَّ على الأرض.
وقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ} أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلاً؛ كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ، وقوله تعالى: {لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] وقال الزجاج: المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة، وما في الأرض من دابة والملائكة؛ أي: وتسجد ملائكة الأرض، وفي الأرض ملائكة موكلون بالعباد، وقيل: إنما ذكرهم على التخصيص لخروجهم من صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة، والله أعلم.
وقوله تعالى: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله، وهذا صفة من يسجد لله سجود عبادة، فأما من له سجود الخضوع دون سجود العبادة، فمعنى لا يستكبرون في صلتهم أنهم يذعنون للخالق والصانع بالتسخير والتذليل وما فيهم من الضرورة إلى صانع فطرهم وخلقهم وأنشأهم ودبَّرهم، ويجوز أن يكون قوله: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} من صفة الملائكة خاصة؛ لأن الآية التي بعد هذا تختص بصفتهم.