(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يَابُشْرى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ(19)
الضَّمِيرُ فِي (وَأَسَرُّوهُ) إِلَى مَنْ يَعُودُ؟
فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْوَارِدِ وَأَصْحَابُهُ أَخْفَوْا مِنَ الرُّفْقَةِ أَنَّهُمْ وَجَدُوهُ فِي الْجُبِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ قُلْنَا لِلسَّيَّارَةِ الْتَقَطْنَاهُ شَارَكُونَا فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا اشْتَرَيْنَاهُ: سَأَلُونَا الشَّرِكَةَ، فَالْأَصْوَبُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ أَهْلَ الْمَاءِ جَعَلُوهُ بِضَاعَةً عِنْدَنَا عَلَى أَنْ نَبِيعَهُ لَهُمْ بِمِصْرَ.
وَالثَّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: (وَأَسَرُّوهُ) يَعْنِي: إِخْوَةُ يُوسُفَ أَسَرُّوا شَأْنَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أَخْفَوْا كَوْنَهُ أَخًا لَهُمْ، بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ عَبْدٌ لَنَا أَبَقَ مِنَّا وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُوسُفُ لِأَنَّهُمْ تَوَعَّدُوهُ بِالْقَتْلِ بِلِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَسَرُّوهُ حَالَ مَا حَكَمُوا بِأَنَّهُ بِضَاعَةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْوَارِدِ لَا بِإِخْوَةِ يُوسُفَ.
(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ(20)
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ اشْتَرَوْهُ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِقَرَائِنِ الْحَالِ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَذَّابُونَ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُ عَبْدُنَا، وَرُبَّمَا عَرَفُوا أَيْضًا أَنَّهُ وَلَدُ يَعْقُوبَ فَكَرِهُوا شِرَاءَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّه تَعَالَى [1] ، وَمِنْ ظُهُورِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ اشْتَرَوْهُ بِالْآخِرَةِ لِأَنَّهُمُ اشْتَرَوْهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ مَعَ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَوْنَهُمْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، وَغَرَضُهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى تَقْلِيلِ الثَّمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْإِخْوَةَ لَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ عَبْدُنَا أَبَقَ صَارَ الْمُشْتَرِي عَدِيمَ الرَّغْبَةِ فِيهِ.