قَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَانُوا يَقُولُونَ اسْتَوْثِقُوا مِنْهُ لِئَلَّا يَأْبَقَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنَ بِصِفَاتٍ ثَلَاثٍ.
الصِّفَةُ الْأُولَى: كَوْنُهُ بَخْسًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ حَرَامًا لِأَنَّ ثَمَنَ الْحُرِّ حَرَامٌ، وَقَالَ كُلُّ بَخْسٍ فِي كِتَابِ اللَّه نُقْصَانٌ إِلَّا هَذَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ سَمَّوُا الْحَرَامَ بَخْسًا لِأَنَّهُ نَاقِصُ الْبَرَكَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ وَالظُّلْمُ نُقْصَانٌ يُقَالُ ظَلَمَهُ أَيْ نَقَصَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ قَلِيلٌ وَقِيلَ: نَاقِصٌ عَنِ الْقِيمَةِ نُقْصَانًا ظَاهِرًا، وَقِيلَ كَانَتِ الدَّرَاهِمُ زُيُوفًا نَاقِصَةَ الْعِيَارِ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، فَالْبَخْسُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، وَالْمَعْنَى بِثَمَنٍ مَبْخُوسٍ.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ)
قِيلَ تُعَدُّ عَدًّا وَلَا تُوزَنُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَزِنُونَ إِلَّا إِذَا بَلَغَ أُوقِيَّةً، وَهِيَ الْأَرْبَعُونَ وَيَعُدُّونَ مَا دُونَهَا فَقِيلَ لِلْقَلِيلِ مَعْدُودٌ، لِأَنَّ الْكَثِيرَةَ يَمْتَنِعُ مِنْ عَدِّهَا لِكَثْرَتِهَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَنِ السُّدِّيِّ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
قَالُوا وَالْإِخْوَةُ كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَذَ دِرْهَمَيْنِ إِلَّا يَهُوذَا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)
وَمَعْنَى الزُّهْدِ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ يُقَالُ زَهِدَ فُلَانٌ فِي كَذَا إِذَا لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ وَأَصْلُهُ الْقِلَّةُ.
يُقَالُ: رَجُلٌ زَهِيدٌ إِذَا كَانَ قَلِيلَ الطَّمَعِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ بَاعُوهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ.