* قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُ مَا قَدْ يَكُونُ جَمِيلًا وَمَا قَدْ يَكُونُ غَيْرَ جَمِيلٍ، فَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مُنْزِلَ ذَلِكَ الْبَلَاءِ هُوَ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ مَالِكُ الْمُلْكِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمَالِكِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ اسْتِغْرَاقُ قَلْبِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَانِعًا لَهُ مِنْ إِظْهَارِ الشِّكَايَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مُنْزِلَ هَذَا الْبَلَاءِ، حَكِيمٌ لَا يَجْهَلُ، وَعَالِمٌ لَا يَغْفُلُ، عَلِيمٌ لَا يَنْسَى رَحِيمٌ لَا يَطْغَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَانَ كُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ حِكْمَةً وَصَوَابًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُتُ وَلَا يَعْتَرِضُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَنْكَشِفُ لَهُ أَنَّ هَذَا الْبَلَاءَ مِنَ الْحَقِّ، فَاسْتِغْرَاقُهُ فِي شُهُودِ نُورِ الْمُبْلِي يَمْنَعُهُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالشِّكَايَةِ عَنِ الْبَلَاءِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ لَا تَزْدَادُ بِالْوَفَاءِ وَلَا تَنْقُصُ بِالْجَفَاءِ، لِأَنَّهَا لَوِ ازْدَادَتْ بِالْوَفَاءِ لَكَانَ الْمَحْبُوبُ هُوَ النَّصِيبَ وَالْحَظَّ وَمُوصِلُ النَّصِيبِ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ، فَهَذَا هُوَ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الصَّبْرُ لَا لِأَجْلِ الرِّضَا بِقَضَاءِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بَلْ كَانَ لِسَائِرِ الْأَغْرَاضِ، فَذَلِكَ الصَّبْرُ لَا يَكُونُ جَمِيلًا، وَالضَّابِطُ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ لِطَلَبِ عُبُودِيَّةِ اللَّه تعالى كان حسنا وإلا فلا، وهاهنا يَظْهَرُ صِدْقُ مَا رُوِيَ فِي الْأَثَرِ «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَلَوْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ»
فَلْيَتَأَمَّلِ الرَّجُلُ تَأَمُّلًا شافيا، أن الذي أتى به هل الحاصل وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ طَلَبُ الْعُبُودِيَّةِ أَمْ لَا؟
فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَوْ أَفْتَوْنَا بِالشَّيْءِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ نَفْعٌ ألْبَتَّةَ.