وَأَيْضًا إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَجُلًا عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ مِنْ بَيْتٍ عَظِيمٍ شَرِيفٍ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ وَيُعَظِّمُونَهُ فَلَوْ بَالَغَ فِي الطَّلَبِ وَالتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ وَلَزَالَ وَجْهُ التَّلْبِيسِ فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ شِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِي حُضُورِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنِهَايَةِ حُبِّهِ لَهُ لَمْ يَطْلُبْهُ مَعَ أَنَّ طَلَبَهُ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَذْمُومٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنْ نَقُولَ لَا جَوَابَ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، وَتَغْلِيظًا لِلْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ أَنَّ أَوْلَادَهُ أَقْوِيَاءُ وَأَنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ وَالتَّفَحُّصِ، وَأَنَّهُ لَوْ بَالَغَ فِي الْبَحْثِ فَرُبَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى إِيذَائِهِ وَقَتْلِهِ، وَأَيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالْآخِرَةِ، ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ أَسْتَارِ سَرَائِرِ أَوْلَادِهِ وَمَا رَضِيَ بِإِلْقَائِهِمْ فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ إِذَا ظَلَمَ الْآخَرَ وَقَعَ الْأَبُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلَى الْوَلَدِ الْمَظْلُومِ وَإِنِ انْتَقَمَ فَإِنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ رَأَى أَنَّ الْأَصْوَبَ الصَّبْرُ وَالسُّكُوتُ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ.