"قالُوا"كلهم بلسان واحد"تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا"اختارك وفضلك بالعلم والحلم والصبر والتقوى والحسن والعقل والملك والرسالة ، ومن قال بالنبوة فقد أخطأ المرمى ، لأنهم كلهم أنبياء إذ ذاك ، والنبوة من حيث هي متساوية بخلاف الرسالة ، لأن منهم من هو من أولي العزم ، وتفضيل الأنبياء الوارد في قوله تعالى ، ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض الآية 55 من الإسراء المارة في ج 1 ، إنما ذلك بكثرة الاتباع وما خص به بعضهم من النعم والمعجزات ، وما نزل عليهم من الصحف ، ثم بادروا بالاعتراف بخطئهم دون تقدم عذر ما بقولهم"وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ 91"فيما صنعناه بك عمدا لأن فعل خطأ بمعنى تعمد بخلاف مخطئين فإنه من أخطأ إذا نسى وسها ، أي لا جرم أننا لم نتّق اللّه والإثم فيك ، ولم نصبر على ما رأيناه من اصطفاء أبينا لك دوننا حال صغرنا ولهذا فإن اللّه تعالى أعزك وأجلّك ، وسلطك علينا ، وأن اللّه تعالى قدّر سلطانك هذا على فعلنا فيك.
وفي اعترافهم بالخطأ استنزال لإحسانه عليهم واستعطاف لعفوه عنهم ، فجاوبهم بما يثلج الصدر ويقرّ الأعين إذ"قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"، وأصل الكلمة الثرب وهو الشحم الرقيق على الكرش ، وفي الجوف ، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع ، واستعير للّوم الذي يخرق الاعراض ويذهب بهاء الوجه ، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى ، كما أنه باللوم تظهر العيوب ، لذلك شبه به ، والجامع بينهما طروء النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال بكل ، وهي اسم لا وخبرها مقدر تقديره كائن متعلق عليكم ، واليوم ظرف متعلق بذلك الخبر المقدر أيضا ، ولفظ اليوم هنا ليس لا قيد لأنه إذا لم يلمهم أول لقائه واشتعال ناره ، فلأن لا يلومهم ولن يعاقبهم بعده بطريق الأولى.