و لا سيما وقد انضم لذلك الجمال الرائق نور النبوة وآثار خضوعها واخباتها لرافع السماء وباسط الأرض من الحالة التي أوقعته فيها مما زاده مهابة ووقارا ، فلا غرو أن يصيبهن الدهش والذهول فيصرعهن ويصرف نظرهن عما في أيديهن من الأترج إلى أيديهن ، فيغقلن عنه ويقطعن أيديهن بدله ، ولم يشعرن بما عملن لأن طلعته البهية ألهبت في قلوبهن ما يمنعهن من الإحساس بألم الموسى ، وانهماك إنسان أعينهن في التطلع إليه حال دون رؤية الدماء التي سالت من أيديهن على ثيابهن ، فلما رأت زليخا ما صنعن بأنفسهن وعلمت أنهن قد أعذرنها بما فعلت ، ولو أنهن شاهدنه قبل مثلها واختلطن معه اختلاطها لما لمنها ، لأنهن رأينه لحظة فوقع منهن ما وقع ، فكيف وهي معه ليل نهار ، لهذا تسلطت عليهن و"قالَتْ فَذلِكُنَّ"العبد الذي تتقولن وتتفوهن فيه ، والفتى"الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ"ثم صرحت أمامهن بما وقع منها فقالت مقسمة"وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ"امتنع وأبى ، والاستعصام مبالغة في الامتناع والتحفظ الشديدين ، ثم أقسمت ثانيا فقالت"وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ"به من الوقاع واللّه واللّه واللّه"لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ 32"الأذلاء المهانين مع السراق والسفاك في السجن ، قالت ذلك لأنها علمت مما شاهدته من دهشتهنّ به انهن لا يلمنها بعد بل يعذرنها ، قالوا ثم قال النساء كلهن يا يوسف أطع مولاتك لئلا تسجن ، فلم يصغ لهن وانصرف عنهن قائلا"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ"أضاف الضمير إليهن كلهن مع أن مولاته وحدها تدعوه لأنهن أمرنه بامتثال أمرها بالفعل ، فناجى ربه عز وجل ملتجئا إليه وآثر السجن لأن مشقته نافذة طلبا إلى راحته الأبدية برضاء اللّه تعالى ، ومن هنا قالوا يختار أهون الشرين ، وقد جاء في الخبر أنه عليه السلام لما قال هذا أوحى اللّه إليه يا يوسف