قال: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [هود: 28] برهان من شواهد الحق؛ {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} [هود: 28] موهبة مواهب الحق ونوراً يهتدي به، {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} [هود: 28] وهي أن النفس بمعزل من رؤية الحق وآياته ومواهبه وشواهده، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} [هود: 28] أي: أنلزمكم رؤيتها، {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28] وهي أن النفس كارهة لطلب المقامات العلية والأحوال السنية.
{وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [هود: 29] أي: على دعوتكم من السفليات إلى العلويات وجوار رب العالمين، {مَالاً} [هود: 29] مما يميلون إليه من الشهوات السفلية؛ لأنها ليست من مشاربه، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [هود: 29] لما دون مشروبي هو الواردات الإلهية والشواهد الربانية، {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} [هود: 29] يشير إلى أن النفس من طبعها أنها تنادي من استعمال البدن وجوارحه في تكاليف الشرع فيستدعي من الروح ويقول: أتريد أن أؤمن بك وأتخلق بأخلاقك، فامنع البدن وجوارحه من استعمال الشرعية فيجتنبها الروح ويقول: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ} مانع الذين آمنوا من البدن وجوارحه من استعمال الشرعية؛ لأنهم اعتقدوا {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} بالعين التي هي ناظر بهم وهي مستفادة من رؤية الحق من الأنوار المودعة في أعمال الشريعة.
{وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ} [هود: 29] يا نفس الهوى الطبيعة، {قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29] لا تقبلون بجهلكم دعوة قبلها البدن وجوارحه في العبودية للرجوع إلى حضرة الربوبية والاستعداد بالرؤية.