{َأُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} [هود: 23] أي: أرباب الجنة كما يقال لرب الدار: صاحب الدار وهم مطلوبو الجنة لا طلابها، وإنما هم طلاب الله، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود: 23] طلاباً عن الضالين المضلين، والطالبين المجتنبين، {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ} [هود: 24] . ثم أخبر والأعمى الذي لا يبصر الحق حقاً والباطل باطلاً، بل يبصر الباطل حقاً والحق باطلاً، والأصم لا يسمع الحق حقاً والباطل باطلاً، بل يسمع الباطل حقاً والحق باطلاً، {وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: 24] البصير الذي يرى الحق حقاً ويتبعه، ويرى الباطل باطلاً ويجتبيه، والسميع الذي يسمع الحق حقاً ويعمل به والباطل باطلاً ولا يعمل به، وأيضاً البصير من كان الله بصره فبه يبصره، والسميع من كان الله سمعه فيسمع به، ومن أبصر با لله لا يبصر غير الله، ومن سمع بالله لا يسمع إلا من الله، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] أي: أفلا تتذكرون يوم الميثاق إن كنتم تسمعون خطاب: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] بالله من الله تصبرونه به وتعرفونه به وتحبونه به.
ثم أخبر عن قوم عموا وصموا بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} [هود: 25] أي: نوح الروح، {إِلَى قَوْمِهِ} [هود: 25] وهم القلب والنفس والبدن، {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25] أي: منذر بالحقيقة، {أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} [هود: 26] أي: لا تعبدوا الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها، فإن عبادة الله مهما كانت معلومة بشيء من الدنيا والآخرة فإنه عبد ذلك الشيء لا الله على الحقيقة، {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] وهو يوم القيطعة عن الله، وعذاب الفرقة شديد، وألم البعد عظيم، {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} [هود: 27] وهم القلب والنفس والهوى والطبيعة البشرية.