ثم أخبر عن الإنسان من بين سائر المخلوقات، فإن خلق أصناف المكونات كانت تبعاً لوجوده وسبباً لاستكماله في السعادة والشقاوة، فقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ} [هود: 7] سماوات الأرواح والملكوت {وَالْأَرْضَ} [هود: 7] أرض الأجسام والأجساد؛ معناه: خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة وهي أن يجعلهما مساكن لعباده، وينعمهم بأنواع النعم، ويكلفهم بالأمر والنهي عن المنكر، وأطاع التائب بالجنة ومن دون ذلك بالنار فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [هود: 7] في ستة أصناف: جماد ومعدن ونبات وحيوان وإنسان وأرواح، ولكل صنف منها أنواع يطول شرحها.
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ} [هود: 7] أي: خلق السماوات والأرض لأنه لم يكن تحت العرش سوى الماء، وكان ذلك الماء في من الريح، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7] يعني: هذه الأصناف من المخلوقات مقتضيات لوجود الإنسان وتربيته ومعرفة نفسه ومعرفة خالقه وسعادته وشقاوته، فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحل السعد أو الأشقياء، وإن الابتلاء على قسمين:
قسم للسعداء: وهو بلاء حسن وذلك أن السعيد لا يجعل المكونات مطلبه ومقصده الأصلي بل يجعل ذلك حضرة المولى والرفيق الأعلى، ويجعل ما سوى المولى بإذن مولاه وأمره ونهيه وسيلة إلى القربات وتحصيل الكمالات، فهو أحسن عملاً، وقسم للأشقياء: وهو بلاء سيء وذلك أن الشقي يجعل المكونات مطلبه ومقصده الأصلي ويتقيد بشهواتها ولذاتها، ولم يتخلص من نار الحرص عليها والحسرة على فواتها، ويجعل ما أنعم الله عليه من الطاعات والعلوم التي هي ذريعة إلى الدرجات والقربات وسيلة إلى نيل مقاصده الفانية واستيفاء شهواته النفسانية فهو أسوء عمل.