وفي سورة الإنسان يقول فِي (ص 359، 360) ما نصه:"مسألة - وربما قيل فِي قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} : أما يدل ذلك على أنه ليس من المكلَّفين إلا كافر ومؤمن؟ وجوابنا: أن الشاكر قد يكون شاكراً وإن لم يكن مؤمناً برَّاً تقياً، لأن الفاسق بغضب أو غيره قد يكون شاكراً فلا يدل على ما قالوا، بل فِي الآية دلالة على ما نقول من أن الكافر والمؤمن هما سواء فِي أن الله تعالى قد هداهما، لا كما قالت المجبِّرة: إنه تعالى إنما هدى المؤمنين. والمراد به أنه دلَّ الجميع وأزال عِلَّتهم، فمَن عصى فمِن جهة نفسة أُتِىَ".
* تذرعه بالمجاز والتشبيه فيما يُستبعد ظاهره:
كذلك نرد القاضي عبد الجبار يقف أمام الآيات التي تبدو فِي ظاهرها غريبة مستبعدة، موقف النفور من جواز إرادة المعنى الحقيقي، والتخلص من هذا الظاهر المستغرَب بحمل الكلام على المجاز والتشبيه.
فمثلاً يقول فِي سورة الأعراف (ص 140) ما نصه:
"مسألة - وربما قيل فِي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} : وفى الخبر أن جميع بني آدم أخذ عليهم المواثيق من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، كيف يصح ذلك؟ وجوابنا: أن القوم مخطئون فِي الرواية، فمن المحال أن يأخذ عليهم المواثيق وهم كالذَّر لا حياة لهم ولا عقل، فالمراد أنه أخذ الميثاق من العقلاء، بأن أودع فِي عقلهم ما ألزمهم، إذ فائدة الميثاق أن يكون مُنَبِّهاً، وأن يُذَكِّر المرء بالدنيا والآخرة، وذلك لا يصح إلا فِي العقلاء، وظاهر الآية بخلاف قولهم، لأنه تعالى أخذ من ظهور بني آدم، لها من آدم، والمراد أنه خرج من ظهورهم ذُرِّية أكمل عقولهم، فأخذ الميثاق عليهم، وأشهدهم على أنفسهبم بما أودعه عقلهم".