فَإِنْ قُلْتَ: التسبيح والسجود داخلان في قوله تعالى: {لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ} ؛ لأنّهما من جملة العبادة، فكيف أفردهما بالذكر؟
قلت: أخبر الله عز وجل عن حال الملائكة أنّهم خاضعون لعظمته لا يستكبرون عن عبادته، ثم أخبر عن صفة عبادتهم أنّهم يسبحونه وله يسجدون.
ولما كانت الأعمال تنقسم إلى قسمين، أعمال القلوب وأعمال الجوراح، وأعمال القلوب هي: تنزيه الله عن كل سوء وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله {وَيُسَبِّحُونَهُ} وعبر عن أعمال الجوارح بقوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} .
وقد شرع الله سبحانه وتعالى لنا السجود عند تلاوة هذه الآية أو سماعها، إرغاما لمن أبى ذلك من المشركين، واقتداء بالملائكة المقربين، ومثلها آيات أخرى ستأتي في مواضعها، وقد كان صلى الله عليه وسلّم يقول في سجوده لذلك: «اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علما ينفعي وعملا يرفعني» وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس أنّه صلى الله عليه وسلّم كان يقول في سجدة التلاوة: «اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا» .
وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ليوافق الملائكة المقربين في عباداتهم،
والجمهور على أنّه ليس بواجب، وقال أبو حنيفة: هو واجب، ولا خلاف في أنّ شرطه شرط الصلاة من طهارة خبث وحدث ونية واستقبال ووقت، إلا ما روى البخاري عن ابن عمر وابن المنكدر عن الشعبي: أنّه يسجد على غير طهارة، وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع اليدين، وقال مالك: يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، وأما في غير الصلاة فاختلف عنه، ويسلم عنها عند الجمهور، وقال جماعة من السلف وإسحاق: لا يسلم ووقتها سائر الأوقات مطلقا؛ لأنّها صلاة بسبب، ذكره أبو حيان في «البحر» وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم: (كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة) متفق عليه.