إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس. صلبة لا تقبل التمييع. والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة .. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل وحملات لا تنقطع ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة وكل التجارب .. هم يسحقون سحقا وحشيا كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض، عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض، وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويحلون ما حرم الله، ويميعون ما شرعه، ويباركون الفجور والفاحشة، ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه، وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع، ورفع شعاراتها أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها، وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثا تاريخيا مضى ولا يمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين ثم ليقولوا لهم - في ظل هذا التخدير - إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة لا شريعة ونظاما، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم هذا وإلا فإن على هذا الدين أن «يتطور» فيصبح محكوما بواقع البشر يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين، وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم - الذي كان
إسلاميا - نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين، لتحل محل ذلك الدين القديم - كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين كوسيلة أخيرة حتى لا يجد هذا الدين قلوبا تصلح للهداية به فيحولون المجتمعات إلى فئات غارقة في وحل الجنس والفاحشة والفجور مشغولة بلقمة العيش لا تجدها إلا بالكد والعسر والجهد كيلا تفيق بعد اللقمة والجنس لتستمع إلى هدى، أو يفئ إلى دين.