وإِذا كانوا أَمثالكم فإِنه يمتنع عقلا، أَن تطلبوا منهم ما قد عجزتم عن مثله. وإِذا كان الذين تدعون من دون الله أَحياء مثلكم، فالمماثلة تقتضي عجزهم كما عجزتم، وإِن كان ما تدعونه جمادا فهو أَقل منكم حيث لا حياة له ولا عقل، بل هو دون المماثلة لكم حينئذ، فكيف ترفعونهم إلى مقام الألوهية، وهم مثلكم أو أَعجز منكم وأَقل شأْنا، وفي قوله تعالى: {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : تقرير لعجزهم أَي فنادوا أَيها المشركون هذه الأَصنام، فإِذا سمعوا نداءَكم فلتكن منهم الإِجابة لكم، إِن كنتم صادقين في زعمكم أَنهم قادرون على النفع والضر - ولام الأَمر في"فليستجيبوا"للتعجيز والسخرية والتهكم بهم.
وبعد أَن قرعهم القرآن الكريم على عبادة عباد مماثلين لهم في التسخير والخضوع لأَمر الله، عاجزين عما عجز عنه العابدون لهم، أَكد تقريعهم ببيان غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم، إِذ أَوضح أَنهم أَحط منهم مرتبة وأَقل درجة لفقدانهم وسائل جلب النفع ودفع التفسير في قوله تعالى:
{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا .... } الآية:
أَي ليس لهؤلاءِ الأَصنام أَرجل يمشون بها كما تمشون بأَرجلكم إِلى أَغراضكم، بل ليس لهم أَيد يأخذون بها بالعنف والقوة ما يريدون من غيرهم أويدفعون بها عن أنفسهم وعابديهم بل ليس لهم أَعين يبصرون بها أَحوالكم ليحققوا لكم أَغراضكم، بل ليس لهم آذان يسمعون بها كلامكم، ليستجيبوا لرغباتكم، وإذا كان هذا هو شأن الجمادات التي تعبدونها من دون الله، فلماذا ترفعونهم إِلى مقام الألوهية، ثم ترفضون الاستماع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاستجابة لأَمر الله تعالى؛ ومن كان هذا شأنه فهو أَحط منزلة من مستوى المماثلة بينكم وبينهم، فكيف يكون لهم مقام الألوهية والعبودية، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ، تعالى الله عما يشركون.