{وأمر بالعرف} .. وهو الخير المعروف الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ؛ والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة.. والنفس حين تعتاد هذا المعروف يسلس قيادها بعد ذلك ، وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف وما يصد النفس عن الخير شيء مثلما يصدها التعقيد والمشقة والشد في أول معرفتها بالتكاليف! ورياضة النفوس تقتضي أخذها في أول الطريق بالميسور المعروف من هذه التكاليف حتى يسلس قيادتها وتعتاد هي بذاتها النهوض بما فوق ذلك في يسر وطواعية ولين..
{وأعرض عن الجاهلين} .. من الجهالة ضد الرشد ، والجهالة ضد العلم.. وهما قريب من قريب.. والإعراض يكون بالترك والإهمال ؛ والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال ؛ والمرور بها مر الكرام ؛ وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب ، وإضاعة الوقت والجهد.. وقد ينتهي السكوت عنهم ، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها ، بدلاً من الفحش في الرد واللجاج في العناد. فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم ، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير. إذ يرون صاحب الدعوة محتملاً معرضاً عن اللغو ، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون!
وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس!
ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر. وقد يثور غضبه على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء وحمق الحمقى.. وإذا قدر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد يعجز عنها من وراءه من أصحاب الدعوة.. وعند الغضب ينزغ الشيطان في النفس ، وهي ثائرة هائجة مفقودة الزمام!.. لذا يأمره ربه أن يستعيذ بالله ؛ لينفثئ غضبه ، ويأخذ على الشيطان طريقه:
{وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} ..