ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم ، والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع ، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه ، والأمة فِي بقايا تلك الشرور إلى الآن.
ومن ذلك: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب ، لئلا تفضى مشابهتهم للمسلمين فِي ذلك إلى معاملتهم معاملة المسلمين فِي الإكرام والاحترام ففى إلزامهم بتمييزهم عنهم سدا لهذه الذريعة.
ومن ذلك: منعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب ، لئلا يتخذ ذريعة إلي بيع الذهب بالذهب متفاضلاً ، إذا ضم إلى أحدهما خرز أو نحوه.
ولو لم يكن فِي هذا الباب إلا أن الله سبحانه وتعالى أوجب إقامة الحدود ، سدا للذريعة إلى الجرائم إذا لم يكن عليها وازع طبيعى ، وجعل مقادير عقوباتها وأجناسها وصفاتها
بحسب مفاسدها في نفسها وقوة الداعى إليها وتقاضى الطباع لها.
وبالجملة ، فالمحرمات قسمان: مفاسد ، وذرائع موصلة إليها ، مطلوبة الإعدام ، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام.
والقربات نوعان: مصالح للعباد ، وذرائع موصلة إليها.
ففتح باب الذرائع فِي النوع الأول كسد باب الذرائع فِي النوع الثاني ، وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة ، فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم تناقض.
وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التي جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل ، وطرق المكر على إسقاط واجباتها ، واستباحة محرماتها. والتذرع إلى حصول المفاسد التي قصدت دفعها.