هذا - أيضًا - ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا) ، وذكر في سورة البقرة: (فَأَنْزَلْنَا) ، والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) ، وذكر، هنالك: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) ، والفسق هو الخروج عن الأمر، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعًا: الخروج عن أمر اللَّه، ووضع الشيء - أيضًا - في غير موضعه. أكرم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم - أيضًا - من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)
قال بعض أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة.
وقال آخرون: أريحا.
ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عَزَّ وَجَلَّ.
وقوله: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ... .) .
أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) ، والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبدًا إنما يلزم المسئول دون المستخبر، لكن الاستخبار يكون من وجهين:
أحدهما: ابتداء إخبار.
والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؟ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم.