والذي نرجحه أن «أل» هنا لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أي حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بني إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل - .
والفاء في قوله فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً معطوفة على محذوف والتقدير: فضرب فانبجست ..
قال بعضهم: والانبجاس والانفجار واحد. يقال بجست الماء أبجسه فانبجس، بمعنى فجرته فانفجر.
وقيل: إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة، والانفجار خروجه بكثرة.
ولا تنافى بين قوله - تعالى - في سورة البقرة فَانْفَجَرَتْ وبين قوله هنا فَانْبَجَسَتْ لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه.
وكانت العيون اثنتي عشرة عينا بحسب عدد أسباط بني إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر.
وقوله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا.
أي: قد عرف كل سبط من أسباط بني إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض.
ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال: وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ.
الغمام: جمع غمامة وهي السحابة: وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.
أي: وسخرنا لبني إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس.
وقوله وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى معطوف على ما قبله.
والمن: اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.
والسلوى: اسم جنس جمعى واحدته سلواة، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب.