وقوله في الآية والحديث: {وَلَا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران: 103] يعني: في أحوال الديانات والاعتقاد كما روي عن ابن مسعود، وغيره.
وقيل: المعنى: ولا تفرقوا متبعين للهوى والأغراض المختلفة.
وعليهما: فليس في الآية نهي عن الاختلاف في الفروع والأحكام، إذ المنهي عنه إنما هو اختلاف يؤدي إلى إفساد وتقاطع، وليس ذلك إلا في الاختلاف في العقائد والأصول.
وأما الاختلاف في مسائل الاجتهاد فإنه سبب لاستخراج الحقوق والفرائض، وظهور دقائق الشريعة، ولم تزل الصحابة والعلماء بعدهم مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون.
وفي الحديث:"اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"كما نقله خلائق من العلماء؛ منهم الشيخ نصر المقدسي، والحليمي، والبيهقي، وإمام الحرمين.
ومن هذا القبيل اختلاف الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وكلُّهم على هدى من ربهم ورحمة، وهم مثابون مأجورون، لهم أجورهم ومثل أجور متبعيهم.
ومنه أيضاً اختلاف العلماء في العلوم الشرعية، وما يحتاج إليه فيها، حيث إن منهم من مال إلى الحديث، ومنهم من مال إلى التفسير، ومنهم من مال إلى الفقه، ومنهم من مال إلى العربية.
وكذلك اختلاف الصوفية رضي الله تعالى عنهم في رياضات النفوس وتربية المريدين؛ كل واحد سلك هو ومريدوه طريقة، فمنهم من طريق المجاهدات، ومنهم من طريقة المعاملات.
وقد قال الشيخ نجم الدين الكبري رحمه الله تعالى: الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق؛ أي: من حيث السلوك لا من حيث الاعتقاد؛ فإن عقائد أولياء الله تعالى متواردة على عقيدة واحدة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة.
وكذلك اختلاف أهل الصنائع والحِرف في صنائعهم وحرفهم؛ كل ذلك داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم:"اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ".
وأما اختلافهم في الأصول فإنه عذاب كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْجَماعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذابٌ". رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد المسند"، والقضاعي عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما.
فَصَلٌ