واعلم أن البدع كثيرة لأنها سبل الشيطان، وقد تقدم أنها متعددة، وطريق السنة واحد كما وقعت الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام: 153] .
وقد تقدم الكلام على الآية، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر السبل بطرق الشيطان، وبين أنها متعددة، وأن سبيل الحق واحد، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أهل السنة والجماعة، فمن انحرف عن طريقهم في الاعتقاد فهو مبتدع، أو متشبه بأهل البدعة والضلالة.
والمراد بطريق أهل السنة والجماعة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، وهو ما عليه السواد الأعظم من المسلمين في كل زمان، وهم الجماعة، والطائفة الظاهرون على الحق، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة.
روى أصحاب السنن - وصححه الترمذي - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصارَى عَلى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ واحِدَةٌ".
قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:"ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي".
وروي هذا الحديث من طرق أخرى:
-منها: رواية عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وقال فيها:"كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةٌ واحِدَةٌ".
قالوا: من هي يا رسول الله؟
قال:"ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي". حسنه الترمذي.
-ومنها: رواية معاوية رضي الله تعالى عنه قال فيها:"اثْنَتانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَواحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَماعَةُ". رواه أبو داود، وغيره.
-ومنها: رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال فيها:"كُلُّها فِي النَّارِ إِلاَّ واحِدَةٌ".
فقيل: وما هذه الواحدة؟
فقبض على يده، وقال:"الْجَماعَةُ؛ فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا". رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم].