قلت سببه أن الأوائل كان يجتمع عند كل واحد منهم أحاديث بلده وآثاره ولا يجتمع أحاديث البلاد فإذا تعارضت عليه الأدلة في أحاديث بلده حكم في ذلك التعارض بنوع من الفراسة بحسب ما تيسر له
ثم اجتمع في عصر الشافعي أحاديث البلاد جميعها فوقع التعارض في أحاديث البلاد ومختارات فقهائها مرتين مرة فيما بين أحاديث بلد وأحاديث بلد آخر ومرة في أحايث بلد واحد فيما بينها وانقصر كل رجل بشيخه فيما رأى من الفراسة فاتسع الخرق وكثر الشغب وهجم على الناس من
كل جانب من الاختلافات ما لم يكن بحساب فبقوا متحيرين مدهوشين لا يستطيعون سبيلا حتى جاءهم تأييد من ربهم فألهم الشافعي قواعد جمع هذه المختلفات وفتح لمن بعده بابا وأي باب وانقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد المائة الثالثة وذلك لأنه لا يكون إلا محدثا جهبذا واشتغالهم بعلم الحديث قليل قديما وحديثا وإنما كان فيه المجتهدون في المذهب وهذا الاجتهاد أراد من قال أدنى الشروط للمجتهد حفظ المبسوط
وقل المجتهد المنتسب في مذهب مالك وكل من كان منهم بهذه المنزلة فإنه لا يعد تفرده وجها في المذهب كأبي عمر المعروف بابن عبد البر والقاضي أبي بكر بن العربي
وأما مذهب أحمد فكان قليلا قديما وحديثا وكان فيه المجتهدون طبقة بعد طبقة إلى أن انقرض في المائة التاسعة واضمحل المذهب في أكثر البلاد اللهم إلا ناس قليلون بمصر وبغداد
ومنزلة مذهب أحمد من مذهب الشافعي منزلة مذهب أبي يوسف ومحمد من مذهب أبي حنيفة إلا أن مذهبه لم يجمع في التدوين مع مذهب الشافعي كما دون مذهبهما مع مذهب أبي حنيفة فلذلك لم يعدا مذهبا واحدا فيما ترى والله أعلم
وليس تدوينه مع مذهبه تميزا على من تلقاهما على وجههما