وأما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهدا مطلقا ومجتهدا في المذهب وأكثر المذاهب أصوليا ومتكلما وأوفرها مفسرا للقرآن وشارحا للحديث وأشدها إسنادا ورواية وأقواها ضبطا لنصوص الإمام وأشدها تميزا بين أقوال الإمام ووجوه الأصحاب وأكثرها اعتناء بترجيح بعض الأقوال والوجوه على بعض
وكل ذلك لا يخفى على من مارس المذاهب واشتغل بها وكان أوائل أصحابه مجتهدين بالاجتهاد المطلق ليس فيهم من يقلده في جميع مجتهداته حتى نشأ ابن سريج فأسس قواعد التقليد والتخريج ثم جاء أصحابه يمشون في سبيله وينسجون على منواله ولذلك يعد من المجددين على رأس المائتين والله أعلم
ولا يخفى عليه أيضا أن مادة مذهب الشافعي من الأحاديث والآثار مدونة مشهورة مخدومة ولم يتفق مثل ذلك في مذهب غيره فمن مادة مذهبه كتاب الموطأ وهو وان كان متقدما على الشافعي فان الشافعي بنى عليه مذهبه وصحيح
البخاري وصحيح مسلم وكتب أبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي ثم مسند الشافعي وسنن النسائي وسنن الدارقطني وسنن البيهقي وشرح السنة للبغوي
أما البخاري فإنه وان كان منتسبا إلى الشافعي موافقا له في كثير من الفقه فقد خالفه أيضا في كثير ولذلك لايعد ما تفرد به من مذهب الشافعي
وأما أبو داود والترمذي فهما مجتهدان منتسبان إلى أحمد وإسحاق وكذلك ابن ماجه والدرامي فيما نرى والله أعلم
وأما مسلم والعباس الأصم جامع مسند الشافعي والذين ذكرناهم بعده فهم متفردون لمذهب الشافعي يناضلون دونه
وإذا أحطت بما ذكرناه اتضح عندك أن من حاد مذهب الشافعي يكون محروما عن مذهب الاجتهاد المطلق وإن علم الحديث وقد أبى أن يناصح من يتطفل على الشافعي وأصحابه رضي الله عنهم % وكن طفيليهم على أدب % فلا أرى شافعا سوى الأدب %
باب حكاية ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا وحدث فيهم أمور منها